سيرة
القديس
سمعان الخراز
" الدباغ "
كنيسة القديس سمعان الدباغ
بجبل المقطم بالقاهرة
بسم الآب والأبن والروح
القدس الآله الواحد . آمين
مديحة
تمجيد للقديس سمعان الخراز
قــرار
الســــــلام
لك ياســـــمعان ياقـديـــــالمُقـــــــــــــــــطم
ياعفيف وبطــــــــل
إيمـــان الســـــــــلام لك ياســـــــمعان
1 ) طـــــــهارتك معروفـــــــة
علامتـــــــها مكشــــــــــــوفة
العـــــــين المكفــوفــــــة
الســــــــــلام لك ياســـــــمعان
2 ) نفــــــذت الوصــــــــــية بطريــــــــقة
حرفــــــــــــية
فى بســـــاطة قلبـــــــــية
الســـــــــلام لك ياســـــــمعان
3 ) أمـانــــــــتك للآلــــــــه وضمــــــيرك ما أنــــــــــــقاه
رفــــض دنـــــس الخطـــــاه الســـــــــلام لك ياســـــــمعان
4 ) تواضـــــــعك العجــــــــيب مثــــــل الرب الحبـــــــــــــيب
أعطــاك فى الســــما
نصـــيب الســـــــــلام لك ياســـــــمعان
5 ) إيمـــــــــانك ما أقـــــواه فـى قــــــــدرة الآلــــــــــــه
رفـع الجــــــبل
ورمــــــاه الســـــــــلام لك ياســـــــمعان
6 ) ياحبيب ســـــت الأبـــــــكار مريـــــــــم فخـــــــــر الأدهار
قالت عنك أســـــــــــــرار
الســــــــــلام لك ياســـــــمعان
7 ) أنقــــــــذت المســـــــيحية والكنيســــــة
المفــــــــــــدية
م الحيـــــلة الرديــــــــة
الســـــــــلام لك ياســــــــمعان
8 ) شــــــفاعة ياســــــــمعان
أمـــــــام الرب الحـــــــــــنان
ينعـــــم لنا بالغفـــــران
الســـــــــلام لك ياســــــــمعان
9 ) والأنــــــــبا ابــــــــرآم بطـــــــــرك ذاك الزمـــــــــان
لـــــــــهُ منا
الأكـــــرام الســــــــــلام لك ياســـــــمعان
10) يارب أحفــــــــظ بطركـــنا الأنــبا
شــــــنودة حبـــــــيبنا
وأرفـــــــــــع
كنيســـتنا بشــــــــــفاعتهم عــــــــنـــا
الفصل
الأول
الزمن
الذى عاش فيه القديس سمعان
1) المجاعة المُهلكة .
2) انشاء مدينة القاهرة .
3) فوضى فى مدينة تانيس .
4) استقرار السلام .
5) الحرية الدينية .
6) حالة الكنيســــة .
عاش القديس سمعان الخراز فى أواخر القرن العاشر الميلادى ...
فقد كان معاصراً للقديس الأنبا أبرآم بن زرعة السريانى ، الذى جلس على كرسى مارمرقس
عام 975 م وتنيح عام 979 م .
لذلك يحسن أن نلقى نظرة عابرة على الزمن الذى عاش فيه القديس
، ذلك لأن الزمان الذى نعيش فيه والمكان الذى نسكن فيه - إن اردنا أو لم نرد
- سيؤثر فى تكويننا وفى رؤيتنا للأمور ، فالكتاب المقدس يقول : ""
لاتضـــلوا .. فإن المعاشــرات الرديـة تفسد الأخـلاق الجيدة ..."
( 1كو 15 : 33 ) فالبيت الذى
ينمو فيه الطفل يكون بمثابة التربة التى تمده ليس فقط بأحتياجاته الجسدية فحسب
باحتياجاته الروحية والنفسية أيضاً .. تُرى هل يدرك كل أب وكل أم منا المسئولية
الملقاة على عاتقه تجاه أولاده ؟ أم أصبح الشغل الشاغل لنا هو أهتمامنا بأمور
هذا العالم الحاضر من مأكل وملبس ومنصب أرضى .. وحكيم الأجيال سليمان الملك أعلن
أن " الكل باطل وقبض الريح ، ولامنفعة تحت الشمس .. " ( جا11:2)
سيدى الرب يسوع المسيح،أطلب منك المعونة لأجل المسئولية والأمانة
التى أتمنتنى عليها لأكون أنا وليكن أبنائى وبيتى وكل ما فيه لكَ ... وليكن شعارنا
" أما أنا وبيتى فنعبد الرب .. (يش 15:24)
أسمح وأجعل قراءتى له السيرة العطرة الآن سبب بركة وتغيير فى
حياتى فأتمثل بها .. آمـــــين.
1) المجاعة المُهلكــــــــة
حدثت مجاعة شديدة
اجتاحت البلاد المصرية كلها ، فى أيام حكم الدولة الأخشيدية ، أى فى الفترة مابين
عام 934 م إلى سنة 968 م قبيل حكم الدولة الفاطمية التى حدثت فى زمانها معجزة
نقل الجبل ، فقد حدثت المعجزة حوالى سنة 979 م ، فلابد وأن القديس سمعان قد عاصر
هذه المجاعة ، التى مات بسببها مايزيد على نصف مليون نسمة (1)
ومن أسباب تلك المجاعة نقص فيضان النيل ثلاث سنوات متتالية ،
فأنتشرت الأوبئة ، ومات هذا العدد الرهيب من الناس ، فأضمحلت بلدان بأكملها ،
وزالت ايبارشيات من الوجود(2) .
لابد وأن هذه الأحداث أثرت فى نفس القديس وجعلته يزهد فى الحياة
- كما سنرى .
تلك كانت ولاتزال طريقـــة اللــه فـى التعامل مع البشر ...
أخى الحبيب ، هل سمح الله لكَ ببعض الظروف المؤلمة ؟ هل ضاقت
الحياة من حولك وأنت تمر ببريتها القاحضة ؟ هل ثقل النهار وحره لم تحتمل لضعف
بشريتك؟ هل أصبح أسلوب حياتك هو الضجر وكلمات فمك هى التذمر على الظروف ، أم
أنك ترى الله فى المشهد وتستقبل من يده كل الظروف عالماً أن كل الأشياء تعمل
معاً للخير للذين يحبون الله (رو28:8) ...؟ إن الناس ياصديقى ينقسمون أمام الظروف
الصعبة إلى ثلاثة أنواع الأول يتذمر ويضجر على الظروف وربما على الله نفسه ،
والثانى يتقبل فى صمت ، أما الثالث فيشكر فى الأتون عالماً أن الله سيخرج من
الآكل أُكلاً ومن الجافى حلاوة (قض14:14)..
ويتعلم الدروس فيخرج من النار أكثر لمعاناً مما قبل كما قال نبى الصبر أيوب " إذا جربنى أخرج كالذهب " ( أيوب 10:23
)... فأى نوع أنت ، وما هو رد فعلك تجاه الظروف ؟؟؟
الهى
المحب أشكرك من كل قلبى على كل ضيق وفى كل ألم
فى كل حين .. أعطن أن يكون شعارى هو الشكر على كل حال ومن أجل كل
حال وفى كل حال واثقاً أن تستطيع أن تستخدم كل ظروفى لتشكل حياتى حسبما يحسن فى عينيك .. أعطنى الشكر فى الألم
الصبر فى الضيق والأحتمال فى التجربة ..
آمين.
2) انشاء مدينة القاهـــرة
كان
انشاء مدينة القاهرة قبل اجراء معجزة جبل المقطم بقليل . فالواقع أن مدينة القاهرة
(3) الحالية مكونة من عدة مدن قديمة بنيت فى عصور مختلفة ، وأطلق عليها اسم أحدى
هذه المدن أى القاهرة .
تلك
المدن القديمة هى :-
(
أ) ( بابيلون أو قصرالشمع :وهى الآن مصر القديم (وقدأسسها البيزنطيون
).
(
ب) أم دنين : وهى الآن قلب القاهرة منطقة محطة
مصر .
(جـ)
الفسطاط : بالقرب من عين الصيرة ، وقد أسسها عمرو
بن العاص .
(
د) العسكر :بين الفسطاط وجبل
المقطم،وقدأسسهاالعباسيون .
(
و) القطائع : بجوار مدينة العسكر عند جامع بن طولون
، وأسسها أحمد بن طولون .
(
ز) القاهـرة : وهى المنطفة التى فيها الجامع الأزهر
، وقد أسسها الفاطميون فى عهد المعز لدين الله الفاطمى عام 969 الذى حدثت فى
عهده معجزة نقل جبل المقطم بعد حوالى عشرة
أعوام من انشاء مدينة القاهرة هذه ، وهناك أرتباط بين مدينة القاهرة ومعجزة نقل
الجبل - كما سنرى فيما بعد
3) فوضى فى مدينة تانيس
مدينة
تانيس هى حالياً مدينة صان بمحافظة الشرقية ، والفوضى التى حدثت فيها فى بداية
حكم الفاطميين نزعت الأمان من قلوب الأقباط وجعلتهم يلتجئون إلى الله ليحميهم
من مثل هذه الأحداث ، فقد ثار بعض المتطرفين فى تلك المدينة ضد الدولة وضد الأقباط
، وأعلنوا أستقلالهم ، ونهبوا بيوت المسيحيين ، وسلبوا نساءهم وبناتهم ... وسادت
الفوضى ، حتى أستطاع بعض الأقباط من تلك المدينة ويدعوا أولاد قشلام أن يتصلوا
بالدولة ، وأن يقضوا على هذه الفتن(4) .
ما
من شك أن مثل تلك الأحداث كان لها أثرها على نفوس المؤمنين ، ففى الشدائد تتوجه
القلوب إلى الله ، ويزداد ارتباط الشعب بالكنيسة . وفى هذا المناخ عاش القديس
سمعان الخراز ، الذى تأثر قطعاً بذلك ، فوطد علاقته بالله ...
4) استقرار السلام
بعد
هذه الأحداث ، وبفضل حكمة المعز لدين الله الفاطمى ، استتب الأمن فى البلاد ،
وساد السلام ربوع مصر .
وأنعكس
ذلك على نفوس المواطنين ، وأرتفعت أصوات المؤمنين بالشكر لله رئيس السلام على
ما أعطاهم من سلام .
5) الحرية الدينيـــة
لقد
كان المعز لدين الله الفاطمى (الذى حكم من عام 969 م إلى أواخر سنة 979م) سياسياً
محنكاً ، وإلى جوار ذلك كان أديباً محباً لمجالس الشعراء . كما كان ولوعاً بالعلوم
الدينية أيضاً ، فكان يدعو رجال الدين من المسلمين والمسيحيين واليهود ، ليتناقشوا
أمامه بكل صراحة وحرية وبدون غضب أو خصام ...
وهذا
الأمر له علاقة مباشرة بمعجزة نقل جبل المقطم
كما سنرى فيما بعد .
6) الحرف المهنية
كان
الأقباط يشتغلون بشتى أنواع الحرف والصناعات، مثل النجارة ، وصنع الأثاث ، والحدادة
، وصنع المراكب ، حتى انهم كانوا يقيمون القداسات الألهية على المراكب فى الموانى
رسمياً (5) لأن كل الصناع والعمال وحتى البحارة كانوا من الأقباط .
ولذلك
سوف نرى أن القديس سمعان الخراز كان من المشتغلين فى أحدى هذه الحرف وهى دباغة
الجلود .
7) حالة الكنيسة
نتيجة
للسلام الذى ساد البلاد فى عهد الدولة الفاطمية ، أهمل الأقباط أنتخاب بطريركاً
للكنيسة لمدة سنتين كاملتين منذ نياحة الأنبا مينا الثانى سنة 973م إلى975م .
ثم
أجتمع الأساقفة والأراخنة فى كنيسة أبى سرجة بمصر القديمة ، ليتباحثوا فيمن يصلح
للبطريركية . فدخل الكنيسة شيخ وقور تقى صالح ، ومعروف لدى الجميع ، يدعى ابرآم
بن زرعة السريانى . وكان هذا الرجل أيضاً صديقا للخليفة المعز لدين الله الفاطمى
. فأستقر رأى الجميع على أنتخابه بطريركاً ، وتم ذلك فى شهر
طوبة سنة 687 للشهداء أى يناير 975م .
بعد
رسامته بطريركاً وزع جميع أمواله على الفقراء والمحتاجين ، وعلى الكنائس والأديرة
، ومنع السسيمونية (أى شراء الدرجات الكهنوتية بالمال) ، وقاوم عادة شريرة كانت
منتشرة بين المسيحيين وهى أقتناء السرارى .
وبالجملة
كانت الكنيسة فى عصره فى نهضة روحية مباركة ...
سيدى
أشكرك لأجل أمى الحبيبة الكنيسة التى غرستنى فيها لأتغذى من كلمتك المقدسة بها
، فأنمو ثابتاً فى هذه الكرمة التى غرستها يمينك ، أشكرك لأنك ساهر على كلمتك
لتُجريها ... أشكرك لأنك ثبتَّ كنيستك على الصخر وأبواب الجحيم لن تقوى عليها
.. أشكرك لأجل أعمدة الكنيسة آبائى القديسين
علمنى أن أنظر
إلى
نهاية سيرتهم وأتمثل بإيمانهم .
الفصــــــل
الثـــانى
لمحات
من حياة القديس سمعان الخراز
1) نشـــــــــــــأته .
2) حرفتــــــــــــه .
3) طهــــارتــــــه .
4) زهده وتقشفه .
5) عمق شركته ( رجل صلاة ).
6) خدماته العمليــــــــة .
7) اتضاعه العجـــــــيب .
8) إيمانــــــــــه القـــوى
.
9) نهايتــــــــــــــــــــــــه
.
1) نشــــــأته
ظهر
هذا القديس فجأة على مسرح التاريخ كنجم لامع، وأختفى أيضاً بنفس الطريقة . لم
يذكر التاريخ عن نشأته الأولى شيئاً على الأطلاق ، فلا نعرف متى وُلِدَ ؟ وأين
تربى ؟ ومن هو أبوه ؟
ولولا
أن الرب أظهره لاتمام هذه المعجزة وهذه الرسالة ، لما سمعنا عنه شيئاً !! وهذا
يدل على أنه يوجد قديسون كثيرون للرب لايعرفهم العالم ، وانما هم مختفون عن الأنظار
. ألم يحدث مثل هذا فى زمن إيليا النبى ؟! ألم يقل هذا النبى للرب " بقيت
أنا وحدى " (1مل10:19) ؟
فماذا
قال له الرب ؟ ألم يقل له : " قد أبقيت فى أسرائيل سبعة الآف ، كل الركب
التى لم تجث لبعل ، وكل فم لم يقبله " ( 1مل 18:19 )
؟!!
ياللعجب
!! سبعة الآف شخصاً موجود للرب ، وإيليا نفسه لايدرى عنهم شيئاً ...
العالم
بخير إذن يا أخى الحبيب ، تلفت حولك فربما كشف الرب عن قديسين كثيرين ، ما كنت
تستطيع أن تراهم.
فالقديس
سمعان الخراز ، كان واحداً من القديسين المختفين عن الأنظار . وإن كنا لانعرف
شيئاً عن مولده ، ولكن التاريخ يؤكد أنه كان موجوداً فى بابيلون ( مصر القديمة
) فى زمان البطريرك الأنبا ابرآم السريانى ( 975 - 979 م ) ، وفى عهد الخليفة
المعز لدين الله الفاطمى أول حكام الدولة الفاطمية فى مصر .
...إلهى الحبيب ، أشكرك
من أجل سحابة القديسين الذين تمتلئ بهم كنيستك المحبوبة أشكرك لأنك لاتترك نفسك
بلا شاهد بل فى كل جيل لكَ أولادك ورجالك القديسين أحفظنى من روح اليأس التى
حاربت ايليا النبى الشــجاع فى القديم اذ طلب الموت لنفسه... أعطنى ياسيدى أن
أكون ثابتاً فى الرجاء لأنك لم تعطنى روح الفشل بل روح المحبة والمعونة والنصح
. آمين.
2) حــرفتـــــــه
كانت
الحرف المهنية هى عمل الأقباط فى ذلك العصر، كما سبق أن اوضحنا . لذلك فقد أشتغل
القديس سمعان الخراز بحرفة أيضاً من الحرف التى كانت شائعة فى بابليون)مصر القديمة)
وهى الدباغة ( دباغة الجلود ، ولازالت مصر القديمة تشتهر بهذه الصناعة إلى يومنا
هذاوعلى أغلب الظن ان هذه الحرفة قديماً لم تكن تقتصرعلى مجرد دبغ الجلود ، وإنما
كانت تشتمل أيضاً على الصناعات التى تترتب عليها ، مثل صناعة الأحذية وخلافه
.
لذلك كان قديسنا يُلقب بعدة ألقاب مرتبطة بالجلود منها:
× سمعان الدباغ (6) .
× سمعان الخراز (7) .
× سمعان الأسكافى (8) .
ولقد كانت هذه المهنة أيضاً هى حرفة القديس إنيانوس ( حنانيا
) أول بطاركة الكنيسة القبطية بعد مارمرقس ، الذى عندما تقطع حذاؤه وهو يطوف
بمدينة الأسكندرية ، توجه الى هذا الأسكافى ليصلحه ، وعندما دخل المخراز فى يده
صرخ " ايوس ثيئوس " أى يالله الواحد.فبشره مارمرقس وآمن بالمسيح ،
ورسمه بطريركاً ليقود الكنيسة من بعده .
سيدى الرب يسوع ، أشكرك لأجل
مهنتى التى أعطيتنى ،أشكرك لأجل العقل الذى منحتنى أياه لأتعلم هذه المهنة ،
أسمح أستخدمه لأجل مجدك كى بهذا كما أيضاً فى كل شئ يتمجد أسمك العظيم ، هبنى
الأمانةالمسيحية الحقيقية فيها حتى يرى
الناس أعمالى الحسنة فيمجدوا أبانا الذى السموات ... آمين .
3)
طهــــــــارته
عندما
كان القديس يقوم بعمله كأسكافى ،أتت اليه امرأة لتصلح حذاءها ، وكانت هذه المرأة
جميلة الصورة ، فيبنما هى تخلع حذاءها ، انكشفت ساقاها فنظرت عيناه اليها بشهوة
. وفى الحال ضرب المخراز فى إحدى عينيه فأفرغها (9) ، تنفيذاً لوصية الرب "
إن كانت عينك اليمنى تعثرك فأقلعها وألقها عنكَ ، لانه خيرٌ لكَ أن يهلك أحد
أعضائك ، ولايُلقى جسدك كله فى جهنم " (مت 5 : 28 ، 29)
نعم
، ما أجمل تاريخ الكنيسة فى سرده لقصص الآباء القديسين ، أنه نفس النهج الذى
ينهجه الكتاب المقدس فى سرده لحياتهم ... فقبل القوة يذكر ضعف البشر، ثم تآتى
قوة المسيح فى هذا الضعف فيتحول إلى قوة ، فيخرج من الموت حياة ومن الأسد عسلاً
مشبعاً ...
ألم
يذكر الكتاب خطية الكذب فى حياة أبو الإيمان أبراهيم ( تك 13:12 ) ، وخطية الزنا
فى حياة داود النبى( 2صم 11 ) ، بل ومعلمنا بولس الرسول
نفسه أعلن ذلك بكل وضوح إذ قال: " أنا الذى كنت قبلاً مجدفاً ومضطهداً ومفترياً
، ولكنى رُحمت لأنى فعلت بجهل فى عدم إيمان ..." (1تى13:1) لكن يأخى الحبيب ماأروع نعمة المسيح التى ترفع
من الضعف وتعطى قوة ، بل ومن المزبلة وتجلس على الكراسى ...
لقد
نفذ الوصية حرفياً ببساطة . وقد قام العلامة أوريجانوس من قبل بعمل مماثل ، عندما
خصى نفسـه تنفـيذاً لقول الكتاب المقدس " يوجد خصيان خصوا أنفسهم لأجل ملكوت
الله "( مت 19 : 12 ) وهكذا تصرف كل واحد منهم باخلاصٍ كاملٍ فى تنفيذ
الوصية حرفياً ، فالكنيسة لاتسمح بهذا ولاتعلم به .. إنما هو تصرف بحرفية وبساطة
فسامحته الكنيسة ، ولكن لما خصى اوريجانوس نفسه وهو عالم كبير حرمته الكنيسة
فالرب لم يقصد التنفيذ الحرفى ، بل كان يشير إلى اماتة حواس الجسد ، كما تعلمنا
الكنيسة أن نصلى قائلين " أمت حواسنا الجسمانية أيها المسيحُ إلهُنا "
وهذا هو ماكان يقصده معلمنا الرسول بولس فى قوله : " أحسبوا أنفسكم أموات
عن الخطية " ( رو 6 : 11 )
على
أن تصرف القديس سمعان الخراز بطريقة حرفية لايُنقص من قداسته ، بل على العكس
، فإنه يبرهن على مدى بساطته وإخلاصه وأمانته فى تنفيذ الوصية ، ومدى طهارته
ونقاوة قلبه ، ورفضه للخطية بكل صورها ...
سيدى
الرب يسوع المسيح،أشكرك لأجل هذه النماذج اللامعة الطاهرة المقدسة التى تكره
الشر ، نعم أنت الذى جعلتها تكره الخطية .. أعطنى الإيمان
بوجودك فى قلبى الذى يستطيع أن يغير فساد حياتى إلى حياة الطهارة .. فإنك تستطيع أن
تعوض بحياة القداسة ما أكله جراد النجاسة .. أعطنى ياسيدى أن أخضع لروح القداسة
ليعمل فىَّ أعماله المقدسة ، ويقطع من
حياتى كل رباطات خطاياىّ بشفاعة القديس سمعان الدباغ مثال حياة القداسة ... آمــــــين
.
4)
زهــده وتقشــفه
لقد
كان القديس سمعان الخراز زاهداً متقشفاً ، ظهر هذا من ثنايا حديثه مع الآب البطريرك
الأنبا ابرآم حينما سأله عن حياته ، عندما أرشدته السيدة العذراء اليه .
ففى
حديثه المقتضب المتواضع قال :
"
إنى آكل القليل لأسد به رمقى " (10)
وهكذا
نرى كم كان هذا القديس زاهداً فى الحياة ، متقشفاً فى مأكله ، فهو لايأكل إلا
القليل ليسد به رمقه .
إن
التحكم فى شهوة البطن بالزهد فى الطعام ، هو سمة من سمات الحياة النسكية ، وعلامة
من علامات القداسة العملية . لذلك نسمع عن القديس الأنبا بولا السائح أن طعامه
اليومى كان مجرد نصف خبزة يحملها إليه غراب
، وتقول القديسة سارة : " إن فماً تمنع عنه الماء لايطلب خمراً ،
وبطناً تمنع عنها الخبز لاتطلب لحماً "
ومن
مظاهر زهد هذا القديس أيضاً هو تقشفه من ناحية الملبس ، ففى يوم المعجزة ، ذهب
الى الجبل مع الآب البطريرك والأساقفة والكهنة وجمهور الشعب وكبار العلمانيين
، بملابسه الرثة (11) (أى بثيابه العادية التى كان يذهب بها إلى المدبغة ) .
ولانقصـد
أن عدم النظافة علامة للقداسة ، بل نقول أن عدم التبرج ولبس الثياب الفاخرة الكثيرة
الثمن (1تى2 : 9) سمة من سمات أولاد الله .
فإن
القديس سمعان الخراز كان على مستوى الحياة النسكية متقشفاً فى مأكله وملبسه مثل
كثير من أبائنا القديسين مثل الأنبا بولا والأنبا رويس والأنبا برسوم العريان
وكثيرين ..
أليس
هذا ما يرينا مظهراً آخر من مظاهر القوة ، تلك هى قوة روح الله القدوس التى تختلف
عن قوة الجسد والمظهر ... ألا يذكرنا ذلك بالقديس يوحنا المعمدان الذى كان لباسه
وبر الأبل وطعامه عسلاً وجراداً برياً ... وبرغم ذلك يقول الكتاب المقدس : "
لأن هيرودس كان يهاب يوحنا عالماً أنه رجل بار وقديس وكان يحفظه ، وإذ سمعه فعل
كثيراً وسمعه بسرور " ( مرقس 20:6 ) كذلك
كان قديسنا سمعان الدباغ ، لاينظر إلى الأمور التى تُرى بل إلى الأمور التى لاتُرى
، لأن التى تُرى وقتية وأما التى لاتُرى فأبدية " ( 2كو18:4 )
5)
عمق شركته ( رجل صلاة )
إن
سر البركة فى حياة القديس سمعان الخراز ، كان يكمن فى أنه رجل صلاة عجيب. فقد
أوضح فى حديثه السرى مع الآب البطريرك ، أنه كان يقضى أوقات طويلة فى الصلاة
، إذ قال " وعند غروب الشمس أخرج مع بقية الأُجراء ، وأكل القليل لأسد رمقى
، ثم أنصرف إلى الصلاة (12) و " ليلى قائم أُصلى " (13).
إن
الصلاة هى سر البركات فى حياة القديسين ، فهى شركة حُبية بين المؤمن وبين إلهه
، لذلك فإن مسرة المؤمن هى أن يقضى أوقاته فى حضرة الله ... هى حياة شخص الرب
يسوع بالجسد على الأرض إذ يقول الكتاب المقدس عنه أنه " فى الصبح باكر جداً
قام وخرج ومضى إلى موضع خلاء وكان يصلى " (مر35:1)
وأيضاً : " وفى تلك الأيام خرج إلى الجبل ليصلى ... وقضى الليل كله
فى الصلاة لله " (لو12:6) وعلمنا
داود النبى قال : " أما أنا فصلاة " (مز 109 : 4) وكما كانت مريم تتمتع
بالجلوس عند قدمى الرب يسوع وأختارت نصيبها الصالح الذى لاينزع منها إلى الأبد
( لو 42:10 )
والواقع
أنه عندما ينكشف للمؤمن جمال الرب ، لايطيق ان يحيا دون أن يعلق نظره بهذا الجمال
، لذلك قال داود النبى : " واحدة سألت من الرب وأياها التمس أن أسكن فى
بيت الرب كل أيام حياتى لكى أنظر إلى جمال الرب وأتفرس فى هيكله " ( مز
27 : 4 )
ومن
هذا المنطلق كان القديس الأنبا أرسانيوس يقضى الليل كله فى الصلاة ، تماماً كما
كان القديس سمعان الخراز رجل الصلاة إذ كان يستمتع بعمق الشركة مع الله ...
سيدى
الرب يسوع ، كم أحتاج أن أبدأ هذه العشرة المباركة فى حياة الصلاة كما عاشها
أبائى القديسين أرجوك ياسيدى حببنى فى الجلوس معك وأفتح عينى على روعة العشرة
الحقيقية وسمو البركات الروحية التى سأتمتع بها فى حضرتك ... أقم نفسى من كسلها
وانهضها من رقاد الضعف إلى جهاد الصلاة المبارك ... أمــــين .
6)
خدماتـــــه العمليـــــة
إن من الأسرار التى
ذكرها القديس سمعان الخراز فى لقائه مع الآب البطريرك الأنبا ابرآم ، أنه كان
يقوم بخدمة الشيوخ والمرضى ويوصل لهم الماء كل يوم ، إذ قال : " أقوم
فى مثل هذه الساعة المبكرة من كل صباح ، لأملأ جرتى ماء ، وأوزعها على
الكهول ( الشيوخ ) والمرضى، الذين أقعدتهم الشيخوخة أو المرض عن القدرة على أستجلاب
الماء لأنفسهم . ولما أنتهى من خدمتى هذه ، أُعيد قربتى إلى البيت ، وأذهب إلى
عملى ..."(14)
هذه
الخدمة التى كان يقوم بها القديس سمعان الخراز هى من الخدمات التى تُعتبر فى
نظر الناس خدمة صغيرة حقيرة . ولكنها فى الواقع من الخدمات الجليلة التى خصها
الرب بقوله: " ومن سقى أحد هؤلاء الصغار كأس ماء بارد فقط بأسم تلميذ ،
فالحق أقول لكم أنه لايضيع أجره ... ( مت 10 : 42 )
كثيرون
يهتمون بالخدمات الظاهرة الكبيرة ، ولكن المتضعين يختارون الأعمال المحتقرة الصغيرة
، ويقومون بها من أجل الرب .
وإلى
جوار توزيع الماء على هؤلاء الناس ، كان أيضاً القديس سمعان " يوزع كل يوم
الخبز والطعام على المستورين المنقطعين من الأخوة نساءاً ورجالآً " (15)
.
وهكذا
كان سمعان الخراز قديساً بكل مقاييس القداسة العملية ....
7)
إتضـــاعه العجـــيب
لقد
كان القديس سمعان متواضعاً للغايـة ، ونستطيع أن نرى ملامح تواضعه من الأحداث
التالية :
(
أ ) عندما كشفت السيدة العذراء سر قداسته للآب البطريرك ، وخرج كما قالت له ليمسكه
كى يُجرى المعجزة قال سمعان الخراز له
:" أغفر لى يا أبى فإنى رجل خاطئ " (16)
يالها
من عبارة عميقة تدل على مدى أتضاعه ... إنها لغة القديسين " أغفر لى "
، " أنى رجل خاطئ " ألا يذكرنا هذا بقول معلمنا بطرس الرسول للرب يسوع
: " أُخرج من سفينتى يارب لأنى رجل خاطئ " ( لو 5 : 8 )
وقول
معلمنا بولس الرسول " الخطاة الذين أولهم أنا " ( 1تى 1 : 15 )
(ب)
عندما طلب منه الآب البطريرك أن يذكر له شيئاً عن حياته ، أضطـــر أن يحــــكى
له قصته ، ولكنه فى الختام " رجـاه أن يكـــتم أمـــره طــالما هو حىٌ على
هذه الأرض " (17) وقال له : أسألك يا أبى أن لاتُظهرنى لأحد، فليس لى قدرة
أن أحتمل مجد الناس " (18)
لقد
تعلم هذا القديس الأتضاع من الرب الوديع والمتواضع القلب الذى قال لتلاميذه :
"مجداً من الناس لست أقبل " ( يو 5 : 41 ) ولذلك قال لتلاميذه "
لا تعلموا أحد بما رأيتم حتى يقوم أبن الأنسان من الأموات " (مت9:17)
(ج)ويظهر
أيضاً تواضع القديس سمعان الخراز عندما طلب منه الآب البطريرك أن يقوم هو( أى
البطريرك نفسه ) بإجراء المعجزة ، بينما يقف القديس سمعان وسط الشعب من خلفه
، وقال له : " بحيث لايعرفنى أحد " (19) .
وهكذا
وقف القديس سمعان بين عامة الشعب ، وقت إجراء المعجزة دون أن ينطق بكلمة واحدة
، أو يُظهر أية علامة أو حركة توحى بأنه صانع المعجزة ليلفت الأنظار اليه !!!
يالـه
من أتضاع عجـيب !!
(د)
ومن آيات اتضاعه أنه بعدما تمت المعجزة " ألتفت البطريرك يمنة ويسرة باحثاً عن سمعان الخراز ، ولكنه لم يجده ، ولم
يعثر عليه أحد بعد ذلك " (20).
أين
ذهب ؟! هل أختفى بإرادته ، حتى يقطع كل أمل فى ظهوره وتعرضه للسبح الباطل ومجد
الناس ؟!
إنها
حياة الأتضاع العجيب التى تسعى إلى مجد المسيح وليس مجد الذات ، الحياة التى
أصبح شعارها : " ينبغى ذاك يزيد وانى أنا أنقص "(يو30:3)
كم
أحتاج ياسيدى العظيم أن أحيا حياة الأتضاع فأتعلم منك ياسيدى لأنك وديع ومتواضع
القلب فأجد راحة لنفسى ، كم بحثت ياسيدى عن مجد ذاتى لكن أسمح لى الآن أن أنقص
أنا لكى تزيد وتعلو وترتفع أنتَ ... أحفظنى ياسيدى من سهام المجد الباطل فأنا
هو العبد البطال ... ساعدنى لأبدأ من الآن ... آمين .
8) إيمـــانه
القــــــوى
فى
الوقت الذى كان الحزن يجتاح الكنيسة ، والحيرة تملأ قلب الأنبا ابرآم (21) ،
كان القديس سمعان فى إتضاع كامل ثابتاً وواثقاً فى امكانيات الرب وقدرة شدته
، إذ قال للآب البطريرك : " أأأأ أ صــعد يا أبى المكرم إلى الجـــبل الذى
يشير عليك الخليفة به ، وسترى مجد الله " (22) .
وكان
الأمر بحسب إيمانه ، إذ تمت المعجزة وانتقل الجبل من مكانه ، لأنه يثق فى وعد
الرب القائل : " لو كان لكم إيمان مثل حبة الخردل لكنتم تقولون لهذا الجبل
انتقل من هنا إلى هناك فينتقل ، ولايكون شئٌ غير ممكن لديكم " ( مت 17 :
20 ) .
أنها
مثال لحياة أبائنا القديسين " الذين بالإيمان قهروا ممالك صنعوا براً نالوا
مواعيد سدوا أفواه أسود أطفأوا قوة النار نجوا من حد السيف تقووا من ضعف صاروا
أشداء فى الحرب هزموا جيوش غرباء ... وهم لم يكن العالم مستحقاً لهم " (
عب 11 : 33،34،38 ) .
9)
نهــــــــــايتـه
إن
هذا القديس كما قلنا سابقاً ، كان كالنجم اللامع الذى أبرق فجأة وأختفى من الوجود
أيضاً فجأة . اذ يسجل التاريخ نهايته قائلاً :
[
كان من الطبيعى أن تُحدث هذه المعجزة شيئاً من الأضطراب فى صفوف من شاهدوها جميعاً
.
ولما
هدأت نفوسهم ، وأستعادوا طمأنينتهم ، بدأوا ينزلون من الجبل ، ليعودوا إلى منازلهم
، ألتفت غبطة البطريرك يمنة ويسرة ( أى يميناً ويساراً ) باحثاً عن سمعان الخراز
، ولكنه لم يجده ، ولم يعثر أحد عليه بعد ذلك . ] (23)
إلا
أن الرب فى روعة محبته قد أعلن عن جسد هذا القديس العظيم - كما سنرى فيما بعد
.
سيدى
أشكرك لأجل هذه الحياة اللآمعة التى قرأت عنها الآن ، أرجو ياالهىأن تحول هذه
الكلمات التى قرأتها إلى حياة أحياهاوتضع فى داخلى أشواقاً مقدسة لأحيا هذه السمات
المباركة التى جعلتها فى رجل الإيمان العظيم القديس سمعان الخراز ... بشفاعته
أطلب ... آمين .
الفصل
الثالث
1) الأحداث التى مهدت للمعجزة.
2)
انقشاع الغمة .
3)
المعجزة الخارقة .
4) نتائج المعجزة .
5)
تخليد ذكرى المعجزة .
6)
بحث فى تحديد تاريخ المعجزة.
1) الأحداث
التى مهدت للمعجزة
1)
المجادلة الدينية الحادة :
كان
المعز لدين الله الفاطمى - كما قلنا سابقاً - محباً لمجالس الأدب ، ومولعاً
بالمباحثات الدينية ، وكان يجمع رجال الدين من المسلمين والمسيحيين واليهود للمناقشة
فى مجلسه ، وأشترط أن يكون ذلك بلا غضب أو خصام ...
وكان
فى ديوان المعز رجل يهودى أعتنق الأسلام لكى يعيين وزيراً فى الدولة ، وكان أسم
هذا الرجل " يعقوب بن كلس " .
ورغم
أنه أعتنق الأسلام إلا أنه مازال متعصباً لدينه اليهودى، لأنه لم يعتنق الأسلام
عن عقيدة بل لأجل المنصب . وكان هذا اليهودى يبغض المسيحيين إلى أقصى درجة ،
خاصة وأنه كان له خصم مسيحى يعزه الخليفة ، وكان اليهودى يخشى أن يعينه وزيراً
عوضاً عنه ، وكان اسمه " قزمان بن مينا الشهير بأبو اليمن " فأستدعى
يعقوب بن كلس اليهودى واحداً من بنى قومه يُدعى " موسى " ليجادل البابا
البطريرك الأنبا ابرآم فى مجلس الخليفة المعز ...
أرسل
الخليفة للآب البطريرك قائلاً :- إن شئت يوماً أن تحاجج اليهود بنفسك أو بواسطة
من تختار من الأساقفة ، فتعال إلى دارى وناقشهم أمامى ..
حدد
البابا الأنبا ابرآم موعداً لذلك ، وأصطحب معه الأنبا ساويرس بن المقفع أسقف
الأشمونين ( بالصعيد ) وكان من علماء الكنيسة فى جـــيله ، فهو الذى كتب تاريخ
" سير البطاركة " وكان أيضاً لاهوتياً ضليعاً ، وخاصة فى اللاهوت المقارن
بين الأديان ، وله كتب كثيرة فى هذا المجال منها : كتاب التوحيد ، وكتاب الأتحاد
الباهر فى الرد على اليهود ... وكتب كثيرة أخرى .
وعندما
أستقر مجلس الخليفة ، وكان حاضراً أيضاً الوزير بن كلس اليهودى ، ورفيقه موسى
.
فقال
المعز للبابا:- تكلم أيها البابا الوقور ، أو أمنح رفيقك الأذن بالكلام.
فقال
البابا لأسقف الأشمونين الأنبا ساويرس :- تكلم يأبنى . ولتمنحك الحكمة الألهية
حكمة من لدنها.
فقال
الأنبا ساويرس بفطنة روحية :- ليس من اللائق أن أتحدث إلى يهودى فى حضرة الخليفة
.فأحتد موسى اليهودى رفيق الوزير وقال :- إنك تهيننى فى مسمع من أمير المؤمنين
إذ تصفنى بالجهل .
فسأله
الأنبا ساويرس بهدوء :- وإن قدمت لكَ الدليل على جهلك ، أفلا تغضب ؟
وهنا
تدخل الخليفة المعز بسماحته وبلاغته قائلاً :- لا داعى للغضب فى المناقشة ، لأن
الحرية مكفولة لكل منكم ، حتى يعبر كل واحد عن عقيدته بصراحة وبلا حرج .
فقال
الأنبا ساويرس بثقة :- لست أنا الذى أصفكم بالجهل ، بل أن نبياً عظيماً نال كرامة
خاصة من الله هو الشاهد عليكم .
فسأله
موسى اليهودى قائلاً :- ومن يكون هذا النبى ؟
أجابه
الأنبا ساويرس على الفور :- أنه أشعياء النبى الذى قال عنكم : " الثور يعرف
قانيه والحمار معلف صاحبه ، أما أسرائيل فلا يعرف شعبى لايفهم "( أش 1 :
3 ) .
فأنفجر
الخليفة المعز ضاحكاً ، إذ أُعجب بفطنة الأنبا ساويرس ، وأُعجب بمهارته فى الحوار
...
ثم
سأل الخليفة موسى اليهودى قائلاً :- أهذه كلمات أشعياء النبى حقاً ؟
فكتم
موسى اليهودى غيظه ، فأجاب بصوت خفيف :- نعم يامولاى .
فأستطرد
الأنبا ساويرس فى الكلام قائلاً :- ها أن نبياً عظيماً من أنبيائكم قد أعلن بأن
الحيوانات أكثر فهماً منكم .
وكان
الخليفة لايزال ثملاً من براعة هذه الدعابة ، ورأى أن يكتفى بذلك فى تلك الجلسة
.
2) المؤامــــرة الخبيثة :
كان
من أثر تلك المجادلة الحادة أن تضايق الوزير بن كلس للغاية ، هو ورفيقه موسى
اليهودى ... فقررا الأنتقام من الأنبا ابرآم والأنبا ساويرس
بتدبير مؤامرة تقضى على الأقباط جميعاً . فأخذ موسى اليهودى يفتش فى الأنجيل
المقدس عن شئ يساعده فى تحقيق غرضه الخبيث ، فوجد الآية المقدسة التى قالها رب
المجد يسوع المسيح " لو كان لكم إيمان مثل حبة خردل ، لكنتم تقولون لهذا
الجبل أنتقل من هنا إلى هناك فينتقل ، ولايكون شئ غير ممكن لديكم " ( مت
17 : 20 ) .
أسرع
موسى اليهودى مع الوزير بن كلس إلى الخليفة المعز ، وقالا له :- وجدنا فى أنجيل
النصارى أنه مكتوب
" أن من له إيمان مثل حبة خردل ينقل الجبل"
فمن
حقنا أن نطالبهم بإثبات صحة دينهم بإتمام هذا الكلام . فإن لم يستطيعوا وجب عقابهم
لبطلان دينهم ...
صمت
الخليفة المعز لدين الله الفاطمى مفكراً فى هذه الآية ، ورأى أنه إذا كان كلام
الآنجيل صحيحاً فتكون فرصة ذهبية لإزاحة الجبل الجاثم شرق المدينة الجديدة (القاهرة)
حتى يزيد عمرانها شرقاً ، ويكون موقعها أروع إذ كان الجبل قبل نقله على حدود
بركة الفيل (24) ...
أما إذا عجزوا عن تنفيذ هذا الكلام ، كان ذلك دليلاً قاطعاً على بطلان دين النصارى
، ومن ثمَ تحتم إزالة هذا الدين من الوجود .
أرسل
الخليفة المعز إلى البابا الأنبا ابرآم السريانى ، فحضر اليه وتكلم معه عن أمر
هذه الآية ، وأن عليه أن يختار أمراً مما يآتى (25) :-
1)
إما تنفيذ هذه الوصية ، ونقل الجبل الشرقى المقطم .
2)
وإما أعتناق الإسلام ، وترك الدين المسيحى لبطلانه .
3)
وإما ترك البلاد المصرية والهجرة إلى أى بلد آخر .
4)
أو الأبادة بحد السيف (26) .
أطرق
القديس البطريرك مصلياً فى قلبه ، ليرشده الرب فى هذه المحنة ... ثم طلب من الخليفة
أن يمهله ثلاثة أيام ، ثم يرد عليه جواباً .
3) المنادة بصوم واعتكاف :
رجع
البابا إلى مقره حزيناً ، وأصدر منشوراً عاماً يأمر فيه جميع المسيحيين فى مصر
بالصوم ثلاثة أيام إلى الغروب ، مع أقامة الصلوات الحارة من أجل سلامة الكنيسة
، وأنقاذها من هذه المحنة ... يالها بصيرة روحية وحكمة سماوية .. تلك التى تلجأ
إلى الله فى الظروف والمحن .. فما اروع ماتصليه الكنيسة فى القداس الألهى قائلة
: " لأننا لانعرف آخر سواك .. أسمك القدوس هو الذى نقوله فتحيا نفوسنا بروحك
القدوس ... "
بعد
ذلك ذهب البابا إلى كنيسة السيدة العذراء المعروفة بالمعلقة ، وطلب الأساقفة
الذين كانوا موجودين بمصر القديـــمة ، والكهنة والأراخنة والرهبان ... وذكر
لهم ماحدث بينه وبين الخليفة المعز ، وقال لهم :
-
علينا بالصوم والصلاة هذه الأيام الثلاثة التى أستمهلته أياها ، ليترأف الله
علينا بنعمته ، ويهئ لنا طريق النجاة .
أستجاب
الجميع لنداء البابا ، وصام الشعب القبطى فى طول البلاد وعرضها ، وأقيمت القداسات
، ورُفِعَت الصلوات والطلبات من أجل هذه المحنة التى تجتازها الكنيسة ..
وأعتكف
البابا الأنبا ابرآم ، مع بعض الأساقفة والكهنة والرهبان والأراخنة بكنيسة السيدة
العذراء بالمعلقة لمدة هذه الأيام الثلاثة ..
2) إنقشاع الغمـــــــــة
1) ظهور السيدة العذراء للبابا :